فصل: مسألة تصدقت على أبيها وأمها بصدقة ثم تتزوج فتطلب ذلك:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة رجل تصدق له على ابن له صغير بمائة شاة:

ومن كتاب أوله مرض:
وسئل مالك: عن رجل تصدق له على ابن له صغير بمائة شاة، وكتب ذلك في كتاب، قال: ثم لبث سنة، ثم كتب كتابا آخر تصدق فيه على ابنه ذلك برمك هي أفضل من الغنم، وتصدق بتلك الغنم على امرأته في ذلك الكتاب، ولم يكتب في ذلك الكتاب إلا الرمك عوضا من تلك الغنم، غير أن الذي تصدق به في هذا الكتاب الآخر، أفضل مما حق له إلى غيرها.
قال مالك: إن كان ابنه صغيرا في ولاية أبيه، جازت له الرمك الذي كتب له في الكتاب الآخر، وسقطت الغنم، وذلك أنه حين أعطى زوجته الغنم، قد انتزعها، وإنما ذلك كهيئة ما لو باع الغنم وخرجت من يده، فلا أرى له إلا الرمك إذا كان في ولاية أبيه أو كان كبيرا فحاز ذلك الابن وقبضه، كانت له، وإن كانت أفضل من الغنم.
قال محمد بن رشد: وجه ما ذهب إليه مالك في هذه الرواية، أنه رأى ذلك لما كان في كتاب واحد، معاوضة لابنه، وإن لم يذكر في الكتاب أن الرمك، إنما أعطاها له عوضا من الغنم، فجاز ذلك على الابن إذا كان صغيرا في حجره، كما لو باع الغنم عليه بالرمك من غيره. فقوله: وإنما ذلك بمنزلة ما لو باع الغنم وخرجت من يده- يمضي على قوله: وذلك أنه حين أعطى زوجته الغنم قد انتزعها، إذ لا يصح انتزاعها منه؛ لأنها صدقة، والصدقة لا تعتصر، ويلزم على قياس هذا الذي وجهنا به قول مالك وحملناه عليه من أنه رأى ذلك بيعا للغنم على ابنه الصغير من نفسه بالرمك، لا يجوز ذلك، على أنه إن كان كبيرا إلا برضاه، حاز الغنم أو لم يحزها، فإن رضي بذلك جاز، وإن ليحز الرمك؛ لأنها ليست بموهوبة، وإنما هي ثمن للغنم الموهوبة، ففي قوله: وإن كان كبيرا فحاز ذلك الابن وقبضه كانت له، وإن كانت أفضل من الغنم نظر؛ لأن ذلك من قوله يدل على أنه لم ير ذلك معاوضة له عن الغنم بالرمك، وإنما رآه انتزاعا، الغنم وهبة للرمك، ولذلك شرط الحيازة فيها والانتزاع في الغنم لا يصح لأنها صدقة. وبالله التوفيق.

.مسألة يعطى الرجل العطية لمن يبره منهم:

ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها:
وسئل مالك: عن الرجل يكون له ولد فيبره بعضهم، فيريد أن يعطيه من ماله دون بعض، أذلك له؟ قال: نعم، لا بأس به، ذلك له.
قال محمد بن رشد: إنما أجاز مالك أن يعطى الرجل العطية لمن يبره منهم؛ لأنه لم يقصد بذلك إلى تفضيل بعض ولده على بعض، وإنما أعطى البار جزاء على بره وحرم العاق أدبا لعقوقه، فلا مكروه في ذلك إن شاء الله. وإنما المكروه أن يفضل بعض ولده على بعض، فيخصه بعطية، مخافة أن يكون ذلك سببا إلى أن يعقه الذي أحرمه عطيته، أو يقصر فيما يلزمه من البر به، حسبما مضى القول فيه في رسم الشجرة.

.مسألة يعطي بعض ولده جل ماله ويترك سائرهم:

وسئل: عن الرجل يعطي بعض ولده جل ماله، ويترك سائرهم، قال: إن ذلك ليكره، ولقد أعطى أبو بكر عائشة عشرين وسقا. وإن القضاة والأمراء ليمضون ذلك، فقيل له: أفترى أن يرد؟ فقال: إنه ليكره، وما قال في الرد شيئا.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله: إنه أجاز للرجل أن يعطي لبعض ولده العطية دون بعض، إذا لم يكن ذلك جل ماله. ومثل هذا في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، خلاف ما يدل عليه قوله في المسألة التي قبل هذا.
فتحصيل القول في ذلك أنه لا اختلاف أنه يكره للرجل أن يهب لبعض ولده دون بعض جل ماله، ويختلف في هبة الرجل الأقل من ماله لبعض ولده دون بعض، فقيل: إنه جائز لا بأس به، وهو قوله في هذه الرواية، وفي رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب. وقيل: إنه مكروه على ظاهر حديث النعمان بن بشير. وهو مذهب ابن القاسم، على ما ذكرنا في رسم الشجرة، ودليل قول مالك في المسألة التي قبل هذه. وأما هبة الرجل جميع ماله لبعض ولده دون بعض، فقيل: إن ذلك لا يجوز ويرد، وهو مذهب مالك على ما مضى في رسم الشجرة، ويأتي في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب، وقيل: إنه مكروه، وهو مذهب ابن القاسم حسبما ذكرناه في رسم الشرة، وبالله التوفيق.

.مسألة يتصدق على ابنه بالغنم:

وسئل: عن الرجل يتصدق على ابنه بالغنم، أيكتسي من صوفها؟ قال: نعم، لا أرى بذلك بأسا ويأكل من لحومها ويشرب من ألبانها إذا أعطاها ابنه، فقيل له: فالحائط يتصدق به على ولده، أيأكل من ثمرة إذا أطعمه؟ قال: نعم، لا بأس بذلك. قال ابن القاسم: ولم أره مثل الأجنبي.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها، فلا معنى لإعادته.

.مسألة قوم كان لهم في منزل صدقة من جدهم:

ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه:
قال: وسئل مالك: عن قوم كان لهم في منزل صدقة من جدهم، وإنما خربت وألقى الناس عليها نقلهم، وكانَ أَهْلُ الصَّدَقَةِ رَجُلًا وَأُخْتَيْنِ لَهُ، وأنهم أرادوا أن يصلحوا، فقالت لأخيها: لو ضربت هذا النقل لنا فَطَوَّبْتُهَا وبعتها وأصلحت هذا المنزل وبنيته؟ فإن كان فيه كفافا كذلك، وإن زدت من عندك، فاحتجت أن ندخل معك فيه، رددنا إليك ما أنفقت. قال: أرى ذلك جائزا له، ولكني أرى أن يأتي السلطان حتى يكون هذا الذي يأذن له، قال: إنه لا يخاصمه أحد، قال: قد أعرف، ولكن أحب إلي أن يأتي السلطان حتى يأذن له بذلك القاضي، فهو أحب إلي.
قال محمد بن رشد: إنما رأى أن لا يفعل ذلك إلا بإذن السلطان، من أجل أنه حبس له مرجع النظر فيه إلى السلطان، فرأى ألا يحدث فيه شيئا إلا بإذن السلطان الذي إليه النظر في المرجع لئلا يغير الحبس عما كان عليه.

.مسألة تصدق على امرأته بخادم له:

ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية:
وسئل مالك: عن رجل تصدق على امرأته بخادم له وهي معه في البيت، فكانت تخدمها على حالها ما كانت عليه، قال: إذا كانت تخدمها فلا أراها إلا لها.. قال سحنون: وكذلك لو كان رهنها خادما. فكانت عندها تخدمها على حال ما كانت، إن الرهن جائز، وإن حوزها لها حوز، وقال سحنون: من أحوز لها منها؟
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى تحصيل القول فيها في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم من كتاب الرهون. وقلنا: إنه يتحصل فيها ثلاثة أقوال فيما بين الصدقة والرهن:
أحدها: إن ذلك جائز، وهي حيازة في الرهن والصدقة، وهو قول سحنون في هذه الرواية؛ لأنه إذا رأى الحيازة عاملة في الرهن، فأحرى أن يراها عاملة في الصدقة.
والثاني: إنها غير عاملة فيهما جميعا، وهو قول مالك في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم من كتاب الرهون وقوله في رسم الوصايا بعد هذا من سماع أشهب؛ لأنه ضعيف الحيازة في الوضعين في الصدقة، فأحرى أن يضعفها في الرهن.
والثالث: الفرق بين الصدقة والرهن، وهو قول ابن القاسم في سماع أصبغ من كتاب الرهون، وكذلك لو تصدقت هي بالخادم التي تخدمها على زوجها، أو رهنته إياها بدليل ما وقع في رسم الوصايا من سماع أشهب بعد هذا من استدلاله بهبتها له على هبته لها؛ لأن أيديهما جميعا على الخادم، فمرة على يده، ومرة على يدها، والأظهر أن يغلب يده، فيفرق بين أن تكون هي التي وهبته أو رهنته، وبين أن يكون هو الذي وهبها أو رهنها؛ لأن يده أقوى من يدها، بدليل أنه لم يختلف قول مالك وابن القاسم في أن القول قول الزوج إذا اختلفا في متاع البيت، وهو مما يكون للرجال والنساء. وقد قيل: إنه لا يد لها معه. فالقول قوله إذا اختلفا في متاع البيت، وإن كان ذلك من متاع النساء. وبالله التوفيق.

.مسألة تصدق على ابنه بمائة دينار وأفرزها ثم تسلفها:

وسئل: عن رجل تصدق على ابنه بمائة دينار، وأفرزها ثم تسلفها ومات الأب وهي عليه، قال: لا أرى لابن فيها حقا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضت والكلام عليها في أول رسم من السماع ومضى أيضا في رسم طلق فلا معنى لإعادة ذلك.

.مسألة تصدقت على أبيها وأمها بصدقة ثم تتزوج فتطلب ذلك:

ومن كتاب الأقضية من سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون:
قال سحنون: قال لي أشهب وابن نافع: سئل مالك: عن امرأة تصدقت على أبيها وأمها بصدقة، ثم تتزوج، فتطلب ذلك، قال: ليس ذلك بشيء من المرأة المولاة، وذلك عليها رد. قال ابن نافع: ولو تزوجت ودخل بها زوجها، فأقامت سنتين أو أكثر من ذلك، ثم قامت بعد ذلك، وقالت: لم أكن أعلم أن ذلك لا يلزمني، رأيت ذلك لها وتحلف.
قال محمد بن رشد: قوله: إذا أقامت مع زوجها سنتين أو أكثر من ذلك تحلف، وكذلك يرد عليها ما تصدقت به على أبيها وأمها، يدل على أنه حكم لها بحكم الرشد والخروج من ولاية أبيها بمقامها عند الزوج سنتين أو أكثر. وهي رواية غراه أغفلها الشيوخ المتقدمون، وحكموا برواية شاذة منسوبة إلى ابن القاسم، لا يعلم لها موضع: أنها لا تخرج من ولاية أبيها، ويحكم لها بحكم الرشد إلا بمقامها عند زوجها سبعة أعوام، ورواية ابن القاسم عن مالك: أنها لا تخرج من ولاية أبيها حتى تدخل فيها ويعرف من حالها، أي: يشهد العدول على صلاح حالها، وفي ذلك اختلاف كثير، يتحصل فيها ثمانية أقوال، وأما البكر التي لا أب لها فإذا دخلت بيتها وأقامت مع زوجها سنة واحدة، حكم لها بحكم الرشد، وملكت أمرها، ما لم يعرف سفهها. وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى مالا فسئل أن يقيل البائع منه فقال قد تصدقت به على النبي:

وسئل مالك: عمن اشترى مالا، فسئل: أن يقيل البائع منه، فقال: قد تصدقت به على النبي، ثم هلك الرجل، ولم يوجد إلا قوله ذلك. قال: ما أرى هذا يقطع.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم البز، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة نحل ولده نحلا من غنمه ووسمها لهم بأسمائهم:

ومن كتاب الأقضية الثاني:
وسئل: عمن نحل ولده نحلا من غنمه، ووسمها لهم بأسمائهم، وليست لهم بينة إلا الرسم، وأنه ذكر ذلك عند موته، فقال: ليس ذلك بشيء إن لم يكن عليه البينة؛ أشهدهم في حياته وصحته، فأرى أن يجعل ميراثا. وقد قال في الكتاب الذي فيه الوصايا والحج، في رجل نحل ابنه خيلا ووسمها بوسمه، ثم تركها في خيل أبيه يركبها: إنه ليس له في ذلك شيء.
قال محمد بن رشد: قوله: نحلة الرجل ولده عددا من غنمه إذا وسمها ولم يشهد عليها في صحته حتى ذكر ذلك عند موته: إنها لا تصح له، وتكون ميراثا- بَيِّنٌ لا إشكال فيه؛ لأن الوسم يميزها من جملة غنمه، ولا يحقق النحل بها إلا إشهاده عليها. فإن وسمها وأشهد على نحلها في صحته جازت له باتفاق. واختلف إن أشهد على أنه نحله عددا منها دون أن يعينها باسم أو سمة أو نحلة جزءا مشاعا منها، هل تصح حيازتها له؟ فقيل: إنها تصح في الوجهين، وقيل: إنها لا تصح في واحد منهما، وقيل: إنها لا تصح في الجزء المشاع، ولا تصح في العدد المسمى دون أن يعين باسم أو سمة، ولا اختلاف في ذلك من قول مالك. وقد مضى ذكر ذلك وتحصيله في رسم طلق من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب. هو في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الحبس فلا معنى لإعادته.
وقوله: إن وسمها بوسمة، يريد: وشهد عليها ثم تركها في جملة خيله يركبها، إنه ليس له ذلك في شيء- يبين أن مذهبه فيما عدا الملبوس والمسكون كالملبوس والمسكون، إن انتفع الأب بشيء من ذلك كله بعد الصدقة أو الهبة، كما كان ينتفع به قبل أن يهب أو يتصدق، وبطلت الهبة والصدقة، خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، أن مساعدا المسكون والملبوس من الأشياء كلها بحيازة الأب إياها للصغير بالإشهاد عليها والإعلان بها كما جاء عن عثمان بن عفان. قالوا: وسواء كانت أرضا فأحدثها أو أكراها أو منحها، أو كانت جنانا فأكل ثمرتها، أو أطعمها أو باعها باسمه، أو اسم ولده، أو كان غلاما فخارجه لولده ولنفسه، أو اختدمه، أو كانت دابة فركبها، أو حمل عليها، أو كانت ماشية فاحتلبها، أو أكل رأسها فاحترث بها أو درس عليها، أو مصحفا فقرأ فيه، أو قويا فرمى عنها. هذا كله جائز، والصدقة ماضية.
قال ابن الماجشون: وهذا الذي سمعناه من علمائنا وجميع أصحابنا، والذي مضت به أحكام حكامنا، وقول أصبغ في نوازله بعد هذا من هذا الكتاب. وأما ما أردت من اختلاف الغنم واحتراث البقر، وخدمة العبيد إذا كانت الصدقة فيهم بأعيانهم، فإذا كان من ذلك الأمر الخفيف والأمر المخرج مرة للابن، ومرة للأب، ومرة ينتفع هذا، ومرة ينتفع هذا، ومرة بعض لهذا، فهذا جائز، وتكون حيازة وصدقة تامة. قول ثالث في المسألة فتدبر ذلك. وقد تأول فضل عن ابن القاسم من رواية أصبغ عنه مثل قول مطرف وابن الماجشون، فقال: رأيت في كتاب ابن حبيب بخط يده في سماعه من رواية أصبغ عن ابن القاسم في صدقة البتل والحبس على ولده الصغار، أن حيازته لهم حيازة، وإن كان هو القائم بأمرهم، والناظر لهم في الكراء، أو أجنبي، ثمرة أو اغتلال، غلة. أو ما تحتاج إليه الصدقة من مرض أو إصلاح حين يبلغوا الحور، قال فضل: فقوله: أو جني ثمرة أو اغتلال غلة، أو ما يحتاج إليه، قريب مما في داخل الكتاب، وتأويل فضل عن ابن القاسم هذا، تأويل بعيد، كأن الظاهر من قوله: إنه جنى الثمرة واغتل الغلة، لولده لا لنفسه، بدليل قوله: وإن كان القائم بأمرهم، والناظر لهم في كراء أو جني أو اغتلال. فقف على ذلك وتدبره، وإنما أجاز ابن القاسم للواهب والمتصدق الانتفاع بما وهب أو تصدق، ولم يزد لك قدحا في حيازة الموهوب له أو المتصدق عليه في مثل الزوجين يهب أحدهما صاحبه الخادم التي يكون معها في المنزل، إذ لا يعذر الواهب على الانفكاك من الانتفاع بما وهب أو تصدق، لكونه معه في منزل واحد بيد الموهوب له حسبما يأتي من قوله في رسم سلف في سماع عيسى. وقد مضى ذلك من قول مالك عليها مستوفى في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم، ومضت المسألة أيضا في سماع أشهب، وبالله التوفيق.

.مسألة ينحل ولدا دون أولاد وله مال سوى ما نحل:

وسئل: عن حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الذي نحل ابنا له عبدا، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أكل ولدك نحلت؟ قال: لا، فقال: أرجعه» فقال مالك: وذلك رأيي؛ لأنه لم يكن له مال غيره، قلت له: فإن لم يكن له مال غيره رده، فقال: إن ذلك ليقال، ولقد قضى به في المدينة، فأما الذي ينحل ولدا دون أولاد وله مال سوى ما نحل، فذلك جائز فلا بأس به. قد نحل أبو بكر الصديق عائشة، وقال فيه عمر وعثمان ما قالا، فلو كان هذا الحديث ما جهله أبو بكر ولا عمر ولا عثمان، ولكن في رأي- لم يكن له مال عنده.
محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذه المسألة على رسم الشجرة من سماع ابن القاسم قبل هذا، وفي رسم نذر سنة، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة نحل ولدا له نخلا فلم يحزها أحد منهم حتى مات أبوهم:

ومن كتاب الوصية الذي فيه الزكاة والحج:
وسمعته: يسأل: عمن نحل ولدا له نخلا فلم يحزها أحد منهم حتى مات أبوهم، فقال: إن كان أشهد على ذلك وعرف النخل بعينه، فمن كان منهم صغيرا فذلك له، ومن كان منهم كبيرا قد بلغ الحيازة فلم يحز فلا شيء له، إلا أن يكون ضعيفا لا يلي نفسه فذلك له، وما كان من جارية قد بلغت في حجر أبيها لم تبين فذلك أيضا لها.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا: إن من كان منهم صغيرا فذلك له، ومن كان منهم كبيرا فلا شيء له، هو مثل قوله في رواية علي بن زياد وابن نافع عنه في المدونة ومثل قول ابن وهب في سماع عبد الملك بعد هذا خلاف قول ابن القاسم في المدونة وفي رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الحبس.
قد مضى هناك ذكر هذا الاختلاف وتوجيهه مستوفى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة تصدق على امرأته أو ابنه بالعبد وهو مسافر:

وسمعته: يسأل: عن رجل تصدق على امرأته أو ابنه بالعبد وهو مسافر، والعبد في يد الذي تصدق به عليه على وجه الاختدام، فتصدق به عليه، ويشهد على ذلك شهودا وهو مسافر، ثم يموت المعطي أو المعطى قبل أن يعلم المعطى الذي تصدق به عليه، فقال: إن كان أمره على وجه الإنفاذ، وأشهد من يرى أنهم يبلغونها ذلك، أو يبلغون ابنه، فإن ذلك جائز، فأما أن يشهد بكذا من لا يعرف المرأة ولا الولد، ولا يكتب إليهما فمتى شاء، قال هذا لي، قد رجعت فيه، لا هي تعلم أن ذلك لها، ولا الشهود يعلمونها، فلا أدري ما هذا.
قال محمد بن رشد: وأما إذا مات المعطى المتصدق عليه قبل المعطي المتصدق، فورثته يقومون مقامه، وينزلون منزلته في القول أو الرد إذا علموا قبل موت المعطي المتصدق، وأما إن مات المعطي المتصدق، قبل موت المعطى المتصدق عليه، وقد علم، فلم يقل: قد قبلت حتى مات المتصدق، فقول ابن القاسم في المدونة: إنه لا شيء له؛ لأنه لم يرى سكوته مع كون الهبة بيد رضا منه بها، وقبولا لها، وقول أشهب فيها: إنها له ندي أسكوته مع كون الهبة بيده رضا منه بها وقبولا لها؟ فقال: إن كونها في يديه أحوز، وأما إن مات المتصدق قبل أن يعلم المتصدق عليه، فقول مالك في هذه الرواية: إن ذلك جائز له إذا كان أمره على وجه الإنفاذ، وأشهد من يرى أنهم يبلغونه ذلك، فهو شذوذ؛ لأن ذلك يقتضي أن هبة الأموال لا تفتقر إلى القبول، وأنها تجب للموهوب له بنفس الهبة حتى لو مات الموهوب له قبل أن يعلم لورثت عنه، ولم يكن لورثته أن يردوها لا على وجه الهبة إن قبل ذلك الواهب، وهو بعيد، إنما يصح ذلك في الحرية إذا قال الرجل لعبده قد وهبتك نفسك، أو قد وهبت لك عتقك، فهو حق قبل أو لم يقبل، قاله في العتق من المدونة لأن الواهب في مثل هذا لم يهب لأن ينظر قبول من وهب له، كالأموال التي توهب، فإن قبلها الموهوب له، وإلا رجعت إلى الواهب، ولا اختلاف أحفظه في هذا سواء قول مالك الشاذ في هذه الرواية، ولو علم بالهبة ولم يعلم منه قبول لها حتى مات الواهب لجرى ذلك على ما ذكراه من اختلاف قول ابن القاسم وأشهب ويقول أشهب أخذ سحنون فقال لو وهب رجل لغريمه الغائب ماله عليه، وأشهد له، ثم مات الواهب قبل أن يعلم قبول الغائب أن الهبة جائزة، يريد وقد علم أنه قد علم بالهبة قبل موت الواهب.
فتحصيل القول في هذه المسألة: أن الرجل إذا وهب شيئا هو في يده أو دينا هو عليه، فإن علم في حياة الواهب وقبل، جازت له الهبة باتفاق، وإن علم ولم يقبل حتى مات الواهب، جازت الهبة على قول أشهب، وبطلت على قول ابن القاسم. وإن لم يعلم بالهبة حتى مات الواهب، بطلت الهبة باتفاق، لافتقار الهبات إلى القبول، إلا على هذه الرواية الشاذة، ولو وهب رجل شيئا هو بيده لرجل غائب، فأخرجه من يده، وجعله على يدي من يجوز له الصلح له، وإن يعلم حتى مات الواهب، بخلاف إذا كان الشيء الموهوب بيد الموهوب له الغائب؛ لأنه إذا كان بيده بإذن الواهب، فكأنه في يد الواهب، حتى يعلم بالهبة، فيكون بعلمه بها جائزا لنفسه، وإنما اختلف على قولين في الوصية، فقيل: إنها تجب للموصى له بموت الموصي مع القبول بعد الموت، وهو المشهور المعلوم. وقيل: إنها تجب له بموت الموصي دون القبول، وهو أحد قولي الشافعي. فعلى قوله: إن مات الموصي له قبل أن يعلم وجبت الوصية لورثته، ولم يكن لهم أن يردوها إلا على وجه الهبة لورثة الموصي إن قبلوا. وبالله التوفيق.

.مسألة نحلت ابنا لها صغيرا غلاما وابنها معها وللابن أب ومال:

وسمعته: يسأل عن امرأة نحلت ابنا لها صغيرا غلاما، وابنها معها وللابن أب ومال، فلم يجزه الأب ولا الولي حتى ماتت الأم، أترى ذلك حوزا؟ فقال: ذلك يختلف، أما الغلام الذي هو للخراج، فإني لا أرى ذلك للصبي حوزا، وأما الغلام الذي إنما هو للخدمة يخدمه ويختلف معه، ويقوم في حوائجه، وهو في ذلك مع أمه، فإني أراه حوزا وأراه له جائزا، وإنما ذلك عندي بمنزلة الرجل نحل ولده الغلام، يكون معه يخدمه ويختلف معه إلى الكتاب، وهو في ذلك مع أبيه، فيكون له حوز وله حائزا، فهذا مثله.
قال محمد بن رشد: وللابن أب وله مال فلم يجزه الأب ولا أخ ولا الولي، كلام ناقص، وكماله: وللابن أب أو لا أب له، وله مال في يد وليه، أي: وصيه، فلم يجزه الأب إن كان له أب، ولا الولي إن لم يكن له أب. وفي كتاب ابن المواز بإثر هذه المسألة: قال ابن القاسم وأشهب: إن لم تكن الأم وصية فليست حيازتها حيازة على مال، ويحوز لهم السلطان، أو يولي عليهم أو بتخرجه الأم من يدها إلى غيرها، فتحوز لهم، فتكلم مالك في الرواية على الوجهين جميعا، على أن الصبي المنحول، له أب غير ساكن مع أم الصبي الناحلة، وعلى أنه لا أب له. وتكلم ابن القاسم وأشهب في كتاب ابن المواز على أن الصبي لا أب له. والمعنى في المسألتين سواء فلم يراع في الرواية كون العبد مع الأم الناحلة في منزل واحد، ورأى الصبي هو الحائز له باختدامه إياه وراعى ذلك ابن القاسم وأشهب، وغلباه على اختدام الصبي إياه فرأياها هي الحائزة له دونه، فلم يجيزا حيازتها له، إلا أن تكون وصية، وهو الأظهر؛ لأنه إنما يخدمه ويتصرف له بالأمر وتحت نظره لصغره، فهي الحائزة له، ولو كان كبيرا سفيها، لكان قول مالك في الرواية أظهر. والله أعلم؛ لأن كون يدها مع العبد ومع السفيه الكبير، أضعف منها مع الابن الصغير، ولو كان صغيرا لا يعقل ابن سنة ونحوها لما جازت حيازة الأم له باتفاق، والله أعلم. ولو كان الصبي منفردا بالسكنى وحده دون الأم، لكان حائزا له باختدامه إياه، وكونه معه قولا واحدا. وكذلك لو كان كبيرا سفيها منفردا بالسكنى وحده دون أمه الناحلة، ولو كان الأب ساكنا مع الأم، لكان هو الحائز باتفاق. وأما العبد الذي هو للخراج، فلا إشكال في أنه لا يحوزه له عن أمه إلا الأب.

.مسألة يهب هبته ثم يأتي يطلب ثوابها فيقول قد أثبتك:

ومن كتاب الأقضية الأول:
قيل لمالك: أرأيت الذي يهب هبته، ثم يأتي يطلب ثوابها، فيقول: قد أثبتك؟ قال: عليه البينة أنه قد أثابه وإلا حلف الواهب ما أثابه، قال: إنه لم يشهد على الهبة، فقال: هو مثل البيع، يقول: بعتك هذا الثوب، فيقول: نعم، ولكني وفيتك ثمنه، فعليه البينة أنه قد وفاه، وإن لم يكن لصاحب الحق على أصله بينة. قال: وقد سألت اليوم عمن وهب شاتين منذ أربعة أشهر، ثم جاء اليوم يطلب الثواب، فيقول: قد أثبتك، ولا بينة بينهما. فقلت: يحلف صاحب الشاتين على المنبر ما أثابه هو، مثل البيع.
قال محمد بن رشد: في بعض الكتب في هذه الرواية: عند المنبر، وفي بعضها: على المنبر. فأما ما في منبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يحلف عليه؛ لأن أحدا... وقد قال النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «من حلف على منبري إثما تَبَوَّأَ مقعده من النار» فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه: على، ولم يقل: عندي. وأما سائر المنابر في جوامع الأمصار فإنما يحلف الحالف عندها، لا عليها؛ لأن الحرمة إنما هي لموضعها لا لها، بدليل أنه لو دار المنبر عن موضعه لإصلاح شيء فيه، لما حلف الحالف إلا في موضعه، لا عنده، بخلاف منبر النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في هذا، وسائر المسألة يبين، لا يفتقر إلى كلام؛ لأن الهبة للثواب بيع من البيوع، وقد أحكمت السنة في التداعي فيها أن البينة على من ادعاها، واليمين على من أنكر؛ لأن الهبة للثواب، إذا طالت مدتها حتى يرى أن الواهب قد ترك الثواب، لم يكن له ثواب، بخلاف البيع؛ لأن طريقها المكارمة لا المكايسة. وقد مضى ذلك في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها. وبالله التوفيق.

.مسألة امرأة دعتنا فأشهدتنا على رقيق لها أنهم صدقة على ابنتها:

ومن كتاب الأقضية الرابع:
وسئل مالك: فقيل له: إن امرأة دعتنا فأشهدتنا على رقيق لها أنهم صدقة على ابنتها، وكتبنا شهادتنا على أنه أمانة عندنا بأمانة الله، لا نشهد بها أبدا ما دامت حية حتى تموت، فشهدنا على ذلك، وكتبناها، فاحتاجت إلى تلك الشهادة ابنتها التي كانت الصدقة عليها، أترى لنا أن نقوم بها؟ قال: أراها قد قالت لكم: لا تشهدوا بها حتى أموت، وهذه الشهادة لا تنفع ابنتها، فقيل له: لا تنفع ابنتها. قال: نعم، لا تنتفع ابنتها.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب من كتاب الشهادات، وبالله الموفق.

.مسألة تصدق بدار له على مواليه وأولادهم:

وسئل: عمن تصدق بدار له على مواليه وأولادهم، وأولاد أولادهم ما بقي منهم أحد، فإذا انقرضوا فمرجعها إلى ولده، فلم تزل كذلك حتى لم يبق منها إلا رجل واحد، فعمد إليه بعض الذين إذا مات الموالي رجعت إليهم من ورثة المتصدق، فتكاراها منه عشرين سنة، فقام ورثة المتصدق، فقالوا: لا نجيز هذا نخاف أن يموت هذا المولى في عشرين سنة، فتقوم علينا بحيازتك، فقال مالك: إن هذا المولى إذا مات في السنتين وانفسخ الكراء، ولقد أكثر هذا في السنين، فقيل: أجل، إنه إذا مات في السنين انفسخ الكراء، ولكنه شاب وهم يخافون طول حياته وطول حيازة هذه الدار، إذا تكاراها عشرين سنة، قال: فليكتبوا عليه بذلك كتابا ويتوثقوا عليه فيه.
قال محمد بن رشد: أجاز في هذه المسألة اكتراء الدار عشرين سنة، من الذين صارت إليه بالتحبيس من عقب الموالي، والكراء ينتقض بموته؛ لأنها حبس عليه لا حق له فيها إلا ما دام حيا.
ومعنى ذلك: ما لم ينفذ؛ لأنه إن نفذ فمات انتقض الكراء، فرجع إلى المكتري كراء ما بقي من المدة، فكان سلفا منه، وقيل: إن الكراء لا يجوز إلى مثل هذه المدة الطويلة، وإن لم ينفذ، وهو ظاهر ما في كتاب الوصايا الثاني من المدونة فيمن أوصى له خدمة عبد حياته، إنه لا يجوز له أن يكريه إلا الأمد القريب: السنة والسنتين والأمر المأمون الذي ليس ببعيد، ولم يفرق بين النقد وغيره، ففي القريب يجوز الكراء بالنقد وبغير النقد، على ظاهر ما في المدونة لابن المواز، ويحتمل أن يحمل ما في المدونة من إجازة الكراء على الأمد القريب على ألا ينفذ، فالكراء في القريب يجوز بغير نقد باتفاق، وفي البعيد لا يجوز بالنقد. ويختلف هل يجوز بغير النقد في البعيد، وبالنقد في القريب؟ على قولين.
وقد نص على ذلك في كتاب ابن المواز. وقع فيه بإثر هذه المسألة، قال مالك: لا يدفع في كرائها، ولكن يكريها قليلا قليلا، وكذلك قال عبد الملك، إلا أنه قال: السنة والسنتين. ونحن لا نرى بأسا ما لم يقع النقد إلا في مثل السنة والسنتين. فإن وقع الكراء في السنين الكثيرة، على القول بأنه لا يجوز ذلك، فعثر على ذلك، وقد مضى بعضها، فإن كان الذي بقي يسيرا لم يفسخ، وإن كان كثيرا فسخ له. قاله في كتاب محمد، ولم ير في الرواية حجة للقائم من الورثة على المكتري فيما ذكره، من طول الحيازة؛ لأنها غلة ترتفع بالإشهاد كما ذكره. وذلك معارض لما في أول رسم من سماع أشهب، من كتاب الأقضية في الذي يكون له الممر في حائط الرجل، إنه ليس له أم يحظره، وإن لم يجعل عليه بابا فلا يطول الأمر فينسى حقه. وبالله التوفيق.